ست العجم بنت النفيس البغدادية
383
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
عالم يقوم به ، ولمجموع المتميزات عالم واحد يستقل بعلمها شهودا واتصافا ، وهو المنفرد في عصره وذاته ، يحتوي على هؤلاء العلماء إذ هم مستقلون بعلم ربع الوجود ولهذا قلنا : إنهم علماء بحقيقة الظاهر ، والظاهر ربع الوجود ، والمتوالي على هؤلاء أحد الأوتاد الأربعة ، لأنه لا معنى للوتد إلا واحد متفرد بعلم ربع الوجود ، فالذين حجبوا بذات القبة هم الذين أحكموا بعقولهم حقيقة السماوات والأرض حكما وعيانا ، ومنهم المنفردون في التصريف في حسن هذه القبة والمتحيرّون في كيفية صنعتها ومدبّرون بإيمانهم بالقدرة على تكوينها ، وفي حقهم قال تعالى : وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [ آل عمران : 191 ] ، فنفي الإيمان ينشأ من حقيقة إيمان هؤلاء ، فإنه متى صدق الإيمان تيقن المؤمن أن للّه تعالى في هذا تدبيرا ومشيئة بالغة ، فهم في تفكر دائم في تدبير نافذ باهتون في ظهور القدرة متحيّرون في صنعة الجمال الغامرة للسماوات والأرض دأبهم قوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ [ الصافات : 6 ] . وقوله : ( ومن آخرين حجبوا بالأوتاد ، فاستمسكوا بها ) ، يريد بهؤلاء العالمين بالدوام والقائلين بعدم زوال السماوات فثبوتهم على علمهم مستمد من ثبوت الأوتاد ، فهم متمكنون في علمهم كتمكين هذا الخلق بالقدرة ، وينسحب هذا الحكم على علماء التسيير والقائلين منهم بفيض الأفعال من العلويات ، فبتمسكهم بهذه العلوم يقرون بالدوام والثبوت في الوجود لأنهم لا يقرون بالانحلال النظامي ، بل يقولون بسرمدية هذا الوجود ولهذا كانوا نافعين بعقولهم مع الأوتاد . وقوله : ( ومن طائفة حجبوا بأسباب القبة فبقوا معها ) ، يريد بالأسباب هاهنا ما علا من الأفلاك بشرط فيض الأفعال وهم المفضّلون للعالم العلوي على العالم السفلي ، فهم مقرّون أن بواسطة العالم « 1 » العلوي وجد هذا العالم ، وإنما قلنا : إن الأسباب هاهنا هي ما علا لقوله تعالى : وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ [ غافر 36 : 37 ] ، وأراد به كيفية فيض الأفعال عنها ، فإن هذه الكيفية بمنزلة السبت ، إذ كانت على زعمهم الواسطة في وجود العالم السفلي ، فهم باقون مع هذه الكيفية منتظرين لما يصدر عنها من الأفعال المفاضة عليهم ، وهؤلاء هم أظهر استعلاء من الطوائف السابقة ، لأنهم مؤيدون بجعل النجوم آيات ، ومنها آية الليل وآية النهار .
--> ( 1 ) في الأصل للعالم وتم تغييرها لمناسبة السياق .